تقرير بحث السيد المرعشي لعادل العلوي

313

القصاص على ضوء القرآن والسنة

الفصل الرابع ( 1 ) في كيفية الاستيفاء بعد ثبوت القتل العمدي بالبيّنة أو الإقرار أو القسامة فإن ولي الدم يكون مخيّرا بين القصاص والدية أو العفو عن بعضها أو تمامها . ويقع الكلام في هذه المراتب بأنها طولية أو عرضية ( 2 ) ، أي من أول الأمر إنما

--> ( 1 ) لقد ذكرنا في الجزء الأول ان كتاب القصاص في الشرائع يقع في قسمين الأول : في قصاص النفس ، والثاني : في قصاص الطرف ، ثمَّ الأول : فيه فصول أربعة الأول : في الموجب ، والثاني : في الشروط المعتبرة في القصاص كما مر تفصيل ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب ، والثالث : في دعوى القتل وما يثبت به ، والرابع : - وهو هذا الفصل - في كيفية الاستيفاء ، وبه يتم الجزء الثاني . وأمّا قصاص الطرف فيأتيك في الجزء الثالث إن شاء اللَّه تعالى . ( 2 ) أشار صاحب الجواهر إلى هذا المعنى بقوله : الفصل الرابع في كيفية الاستيفاء لكن لا بد أن يعلم أنه لا خلاف معتد به بيننا في أن ( قتل العمد يوجب القصاص لا الدية ) عينا قطعا بل ضرورة ولا تخييرا ، بل عن ابن إدريس نفي الخلاف فيه تارة ، ونسبته إلى الأصحاب أخرى ، والإجماع عليه ثالثة ، بل قال : إنه ظاهر الكتاب والمتواتر من الأخبار وأصول مذهبنا ) وفي المبسوط أنه الذي نص عليه أصحابنا واقتضته أخبارهم ، بل عن الخلاف عليه إجماع الفرقة وأخبارهم ، بل في الغنية الإجماع عليه أيضا ، بل هو محصل ، إذ لم يحك الخلاف إلا عن العماني والإسكافي . . ثمَّ يذكر صاحب الجواهر الوجوه الدالة على القول الأول ويناقش ما جاء في سنن البيهقي فراجع ، ثمَّ لا أدري لما ذا سيدنا الأستاذ لم يتعرض إلى مسألة التعيين والتخيير أولا ثمَّ مسألة التخيير بأن المراتب طولية أو عرضية ، وربما مراده من الطولية التعيين إلا أنه بناء على القول به كما عند المشهور فإنه لو عفا الولي على مال لم يسقط القود حينئذ ولم يثبت الدية إلا مع رضا الجاني ، وهذا يعني أن الولي لا يكون مخيرا ابتداء لا طولا ولا عرضا ، كما يشير إليه صاحب الجواهر ( ج 42 ص 281 ) فراجع . ثمَّ لتعميم الفائدة لا بأس أن نذكر ما قاله بعض الأعلام في كيفية الاستيفاء بصورة عامة وتطبيق الموارد والفروعات انما نحيله على القارئ النبيه ، ومن اللَّه التوفيق . قال العلامة في القواعد 301 : المطلب الثالث في كيفية الاستيفاء : انما يقتص مع علم التلف بالجناية ، فإن اشتبه اقتصر على القصاص في الجناية دون النفس ، وينبغي للإمام إحضار شاهدين عارفين عند الاستيفاء احتياطا ، ولئلا يقع مجاحدة ، ويعتبر الآلة بحيث لا تكون مسمومة وكالَّة ، فان كانت مسمومة وكانت الجناية نفسا ، فقد أساء واستوفى ولا شيء عليه ، وان كان طرفا وحصلت جناية بالسمّ ضمنه المباشر ان علم ، والا فلا ، إلا أن يكون هو الولي فيضمن ، اما غيره فالحوالة في الضمان على الولي ان دفع إليه آلة مسمومة ولم يعلم ، ولا يمكَّن من القصاص بالكالَّة لئلا يتعذّب المقتص منه سواء النفس أو الطرف ، وان فعل أساء ولا شيء عليه ، ولا يجوز القصاص الا بالسيف ، ويحرم التمثيل به ، والقتل بغيره ، سواء فعل الجاني ذلك أولا ، فلو غرّقه أو حرّقه أو رضّ دماغه اقتصر في القصاص على ضرب عنقه ، ويضمن لو اقتص بالآلة المسمومة إذا مات المقتص منه في الطرف نصف الدية أو يقتل بعد ردّ نصف الدية عليه ، لأن الموت حصل بالقطع والسمّ ، وإذا اذن الحاكم للولي في استيفاء القصاص بضرب رقبته فجاء وضرب السيف لا على الرقبة ، فإن ضرب على موضع لا يخطئ الإنسان بمثله بأن يضرب وسطه أو وسط رأسه عزّره الحاكم ، ولا يمنعه من الاستيفاء ، ولو اعترف بالعمد عزّره ولم يمنعه من الاستيفاء ، ولا يضمن المقتص سراية القصاص الا مع التعدي فإن اعترف بالعمد اقتص منه في الزائد ، وان قال أخطأت أخذ منه الدية هذا إذا لم يكن المستحق نفسا ، والقول قوله في الخطأ ، لا قول المقتص منه ، وكل من يجري بينهم القصاص في النفس يجري بينهم القصاص في الأطراف والجراحات . وفي رياض المسائل 2 / 520 : القول في الاستيفاء ، أي استيفاء القصاص ، اعلم أن قتل العمد يوجب القصاص بالأصالة ، ولا يثبت الدية فيه الا صلحا ، ولا تخيير للولي بينهما على الأشهر الأقوى ، بل عليه عامة متأخري أصحابنا ، وفي ظاهر الخلاف والمبسوط وصريح السرائر والغنية ان عليه إجماع الإماميّة ، وهو الحجة مضافا إلى الآيات الكثيرة والسنة المتواترة بإثبات القود ، وليس في أكثرها التخيير بينه وبين الدية ، فإثباته لمخالفته الأصل يحتاج إلى دلالة ، هي في المقام مفقودة كما ستعرفه مضافا إلى خصوص المعتبرة منها : الصحيح : ومن قتل مؤمنا متعمدا قيد به ، الا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية فإن رضوا بالدية ، وأحبّ ذلك القاتل فالدية اثني عشر ألفا ، الحديث . خلافا للإسكافي فيتخير الولي بين القصاص والعفو وأخذ الدية . وهو أيضا ظاهر العماني . وهذا القول شاذ ومستنده غير واضح . . وأدلتهما لا نكافئ شيئا مما قدّمناه وسيما الإجماعات المحلية حدّ الاستفاضة المعتضدة بالشهرة العظيمة التي كادت أن تكون إجماعا ، بل لعلها إجماع في الحقيقة ، ولا يقدح فيه خروج القديمين لمعلومية نسبهما المانعة ، من القدح في الحجية . . ويتفرع على المختار ، أنه إذا طلب الولي المال تخيّر الجاني بين دفعه وتسليم نفسه للقود ، وانه لو عفى عليه لم يصح عفوه بدون رضا القاتل لأن حقه ليس هو المال ، وعفوه لم يقع مطلقا ، وأنه لو عفى كذلك سقط القود ، ولم تلزم الدية ، لأنها ليست واجبة له بالأصالة ، أو أحد أفراد الحق المخير حتى يوجب إسقاط أحدهما بقاء الآخر . وفي المسالك 2 / 476 : كون الواجب في قتل العمد بالأصالة هو القود لا غير هو المشهور بين الأصحاب منهم الشيخان والاتباع والمتأخرون ، فلا يثبت الدية عندهم الا صلحا . . وقال ابن الجنيد ان لولي المقتول عمدا الخيار بين أن يستقص أو يأخذ الدية أو يعفو عن الجناية ، ولو شاء الولي أخذ الدية وامتنع القاتل عمدا من ذلك وبذل نفسه للقود كان الخيار للولي ، ولو هرب القاتل ، فشاء الولي أخذ الدية من ماله ، حكم بها له ، وكذا القول في جراح العمد ، وليس عفو الولي والمجني عليه عن القود مسقطا لحقه من الدية . حجة المشهور : 1 - قوله تعالى : « النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » 2 - وقوله تعالى : « والْجُرُوحَ قِصاصٌ » 3 - وعموم قوله تعالى : « فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » 4 - وقوله تعالى : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ » 5 - وصحيحة الحلبي وعبد اللَّه بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام . . وحجة ابن الجنيد : ما روى عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم أنه قال : من قتل له قتيل فهو يخيّر النظرين اما أن يفدي ، واما أن يقتل ، وفي رواية أخرى عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : من أصيب بدم أو خيل والخيل الجراح ، فهو بالخيار بين إحدى ثلاث ، اما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو ، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه . ورواية العلاء بن الفضيل عن الصادق عليه السلام أنه قال : والعمد هو القود أو رضى ولي المقتول ، ولأن ولي الدم إذا رضي بالدية وأمكن القاتل دفعها ، كان ذلك ذريعة إلى حفظ نفسه ، فيجب عليه حفظها كما يجب عليه افتداؤها بالمال مع القدرة حيث تتوقف عليه مطلقا ، ومستند المشهور أصح سندا ، فان الروايتين عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم عاميتان ، وفي طريق الثالثة محمّد بن سنان ومحمّد بن عيسى عن يونس وحالهما مشهور ، إذا تقرر ذلك فلازم القول الأول ان ولي المقتول إذا طلب المال يتخير الجاني بين دفعه وتسليم نفسه للقصاص ، وانه لو عفى على مال لم يصح عفوه بدون رضا القاتل ، لأن حقه ليس هو المال وعفوه لم يقع مطلقا ، ولو عفى مطلقا سقط القود ولم يلزم الدية ، لأنها ليست واجبة له بالأصالة أو أحد أفراد المخيّر حتى يوجب إسقاط أحدهما بقاء الآخر ، وخالف في ذلك ابن الجنيد كما حكيناه عنه وابن أبي عقيل حيث قال : فان عفا الأولياء عن القود لم يقتل وكان عليه الدية لهم جميعا ، ووجهه ما أشرنا إليه ، من أن الواجب عندهم أحد الأمرين ، فإذا عفى عن أحدهما بقي الآخر ، وعلى التعليل الأخير يجب على القاتل بذل ما يرضى به ولي الدم ، وان زاد عن الدية مع تمكنه منه لوجوب نفسه التي لا يتم الا بذلك . وفي اللمعتين 2 / 414 : الواجب في قتل العمد القصاص ، لا أحد الأمرين من الدية والقصاص كما زعمه بعض العامة ، لقوله تعالى : « النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » وقوله : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ » وصحيحة الحلبي وعبد اللَّه بن سنان عن الصادق عليه السلام . . نعم لو اصطلحا على الدية جاز ، للخبر ، ولأن القصاص حق فيجوز الصلح على إسقاطه بمال ، ويجوز الزيادة عنها أي عن الدية والنقيصة مع التراضي ، أي تراضى الجاني والولي لأن الصلح إليهما ، فلا يتقدر الا برضاهما ، وفي وجوبها - أي الدية - على الجاني بطلب الولي وجه ، بل قول لابن الجنيد ، لوجوب حفظ نفسه الموقوف على بذل الدية ، فيجب مع القدرة ، ولرواية الفضيل عن الصادق عليه السلام قال : والعمد هو القود أو رضى ولي المقتول ولا بأس به ، وعلى التعليل لا يتقدر بالدية ، بل لو طلب منه أزيد وتمكن منه وجب . وفي جامع المدارك 7 / 260 : الدليل على إيجاب القتل مع التعمد القصاص وعدم ثبوت الدية إلا بالتراضي والصلح صحيحة عبد اللَّه بن سنان قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول : ( من قتل مؤمنا متعمدا قيد منه إلا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية ، فإن رضوا بالدية وأحبّ ذلك القاتل فالدية - الحديث ، الاستبصار 4 / 261 ) . وفي قبال هذه الصحيحة صحيحة عبد اللَّه بن سنان وابن بكير جميعا عن أبي عبد اللَّه عليه السلام . . وصحيحة عبد اللَّه بن سنان الثانية عن أبي عبد اللَّه عليه السلام ( أنه سئل عن رجل قتل مؤمنا وهو يعلم أنه مؤمن غير أنه حمله الغضب على أنه قتله هل له من توبة إن أراد ذلك أو لا توبة له ؟ قال : توبته ان لم يعلم انطلق إلى أوليائه فأعلمهم أنه قتله ، فان عفوا عنه أعطاهم الدية وأعتق رقبة وصام شهرين متتابعين وتصدق على ستين مسكينا ) ويؤيد ذلك رواية أبي بكر الحضرمي . والنبويتان ففي إحديهما : ( من قتل له قتيلا فهو يخيّر بين النظرين إما يفدي وإما أن يقتل ) وفي الثانية : ( من أصيب بدم أو خيل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث : إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو ) وقد يقال : الصحيح هو قول المشهور لضعف رواية الحضرمي والنبويتين من جهة السند ، وأما الصحيحتان الأولتان وان دلَّتا بظاهرهما على التخيير ، لأنه إذا وجب على القاتل إعطاء الدية عند العفو ، جاز للولي ترك القصاص ومطالبة الدية ، إلا أنهما معارضتان بصحيحة عبد اللَّه بن سنان قال : ( سمعت أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول : من قتل مؤمنا متعمدا قيد به ، إلا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية ، فإن رضوا بالدية وأحبّ ذلك القاتل فالدية ) ولا بد من تقديم هذه الصحيحة على الصحيحين ، لموافقتها لإطلاق الكتاب المجيد ، فإنه ظاهر في ثبوت الولاية على القصاص فقط بالإضافة إلى الولي بدون أن يكون له المطالبة بالدية ، ومخالفتها للعامة . ويمكن أن يقال : لا يستفاد من الإطلاقات في الكتاب المجيد أزيد من ثبوت القصاص ، وأما الحصر فلا ، ألا ترى أن الهارب يؤخذ الدية من ماله ، ومن قتل في الزحام ولم يعلم قاتله يؤخذ ديته من بيت مال المسلمين ، ولازم الحصر المذكور خلاف ما ذكر ، كما أن صحيحة عبد اللَّه بن سنان المذكورة ليس فيها الحصر للاستثناء . وفي تكملة المنهاج 2 / 123 : الثابت في القتل العمدي القود دون الدية ، فليس لولي المقتول مطالبة القاتل بها ، إلا إذا رضي بذلك ، وعندئذ يسقط عنه القود وتثبت الدية - على المشهور شهرة عظيمة بين الأصحاب ، بل ادعي عليه الإجماع خلافا للعماني والإسكافي ، حيث حكى عنهما - في المسألة - التخيير بين الاقتصاص والدية ، وتدل على هذا القول صحيحة عبد اللَّه بن سنان وابن بكير جميعا عن أبي عبد اللَّه عليه السلام . . وصحيحة ابن سنان الثانية . . وتؤيد ذلك رواية أبي بكر الحضرمي . . والنبويتان . . والصحيح هو قول المشهور ، والوجه في ذلك : هو ان رواية أبي بكر الحضرمي والنبويتين ضعاف سندا ، فلا يمكن الاستدلال بها على ثبوت حكم شرعي أصلا ، وأما الصحيحتان الأولتان فهما وان دلَّتا بظاهرهما على القول بالتخيير ، لأنه إذا وجب على القاتل إعطاء الدية عند عفو الولي عن الاقتصاص ، جاز للولي ترك القصاص ومطالبته بالدية لا محالة ، وهذا هو معنى التخيير ، إلا أنهما معارضتان بصحيحة عبد اللَّه بن سنان . . ولكن لا بد من تقديم هذه الصحيحة على تلك الصحيحتين لموافقتها لإطلاق الكتاب المجيد من ناحية ، فإنه ظاهر في ثبوت الولاية على القصاص فقط بالإضافة إلى الولي ، دون أن يكون له المطالبة بالدية ، ولمخالفتهما للعامة من ناحية أخرى دونهما ، فالنتيجة هي ان الدية لا تثبت الا برضا الجاني ، فلا يكون ولي المجني عليه بالخيار بين الاقتصاص منه ومطالبته الدية . هذا كله فيما إذا تمكن من الاقتصاص ، واما إذا لم يتمكن منه لمانع لزمت الجاني الدية ، كما سيأتي تفصيله إن شاء اللَّه تعالى . ومن كتب العامة جاء في الفقه الإسلامي وأدلته 6 / 275 كيفية وجوب القصاص : يجب القصاص من القاتل إلا إذا عفا عنه ولي القتيل ، فإذا عفا ، هل يلزم القاتل بالدية أم لا ؟ قال الحنفية والمالكية والشافعية في ظاهر مذهبهم الراجح عندهم ، وفي رواية عن أحمد : موجب القتل العمد هو القود عينا أي متعيّنا ، لقوله تعالى : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى » وهذا يفيد تعين القصاص واجبا متعينا للعمد ، ولقوله عليه السلام ( من قتل عمدا فهو قود ) ولأن القصاص بدل شيء متلف ، فتعين الجزاء من جنسه ، كسائر المتلفات . ويحسن إيراد عبارة الشافعية فيه وهي : موجب العمد القود عينا ، والدية بدل عند سقوطه ، وفي قول : موجب العمد : أحدهما ( القصاص والدية ) مبهما ، وعلى القولين : للولي عفو على الدية بغير رضا الجاني ، وعلي الأول : لو أطلق العفو فالمذهب لا دية . وبناء على هذا الرأي : قال الحنفية والمالكية والشافعية على المذهب : لو عفا ولي القتيل عن القصاص مطلقا أي دون مطالبة بالدية ، لا يلزم الجاني بالدية جبرا عنه ، وانما له باختياره أن يدفعها في مقابل العفو عنه . وللولي أن يعفو مجانا أو يقتص ، أي ليس له إن أراد أخذ جزاء الجناية إلا القود ، لا الدية . ويجوز العفو على الدية أو أكثر أو أقل برضا الجاني ، تعد الدية ، حينئذ بدلا عن القصاص . ولو تعدد الأولياء فبادر أحدهم فقتل الجاني قبل إبداء الآخرين رأيهم ، سقط حق الباقين في القصاص ولا دية لهم ، ويترتب على اعتبار الدية بدلا من القصاص أنه لا يجوز للقاضي أن يجمع بين عقوبة وبدلها جزاء على فعل واحد . وقال الحنابلة عملا برواية أخرى عن أحمد هي الراجحة عندهم ، وفي قول عند الشافعية : ليس القصاص واجبا عينا ، وانما الواجب بقتل العمد أحد شيئين : القصاص أو الدية . وللولي خيار التعيين : إن شاء استوفى القصاص ، وإن شاء أخذ الدية من غير توقف على رضا القاتل . ويعتبر التعزير بدلا عن الدية . ودليلهم قوله تعالى : « فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ » ومعناه فليتتبع القاتل ، وليؤد القاتل الدية ، فاللَّه أوجب الاتباع بمجرد العفو ، ولو أوجب العمد القصاص عينا ، لم تجب الدية عند العفو المطلق . ثمَّ ان الدية أحد بدلي النفس ، فكانت بدلا عنها ، لا عن بدلها كالقصاص . وأما حديث ( من قتل عمدا فهو قود ) فالمراد به وجوب القود ، ويخالف القتل سائر المتلفات ، لأن بدلها لا يختلف بالقصد وعدمه ، والقتل بخلافه . وأضاف الحنابلة أدلة أخرى ، منها قول ابن عباس : كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى » ، وعن أبي هريرة مرفوعا : ( من قتل له قتيل ، فهو بخير النظرين : إما أن يودي وإما أن يقاد ) ويترتب على هذا الرأي : أن الولي لو عفا عن القصاص مطلقا ، أو إلى الدية بدلا عنه ، وجبت الدية ، لأن الواجب غير معين ، فإذا ترك أحدهما وجب الآخر ، وان اختار الدية سقط القصاص ، وان اختار القصاص تعين . وفي هذه الحالة الأخيرة : هل له بعدئذ العفو على الدية ؟ قال القاضي أبو يعلى الحنبلي : له ذلك ، لأن القصاص أعلى ، فكان له الانتقال إلى الأدنى ، ويكون بدلا عن القصاص ، ويحتمل أنه ليس له ذلك ، لأنه أسقط الدية باختياره القود فلم يعد إليها . وفي كتاب الفقه على المذاهب الأربعة 5 / 249 : وليس القصاص بلازم ، انما اللازم ألا يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى الاعتداء ، فأما إذا وقع الرضا بدون القصاص من دية أو عفو فذلك مباح ، فلا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان الذي أعطاه اللَّه هذه السلطنة وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض ، وانما يكون ذلك للسلطان أو من نصبه السلطان لذلك . وجاء في ص 262 : ولما كان من البديهي الذي لا ريب فيه أن القتل يحدث عند أولياء الدم حقدا شديدا ، ويترك في أنفسهم لوعة لا تنطفئ الا بالتشفي من القاتل ، وتحكمهم فيه ، فقد جعل الشارع لأولياء الدم سلطانا على القاتل الذي يثبت عليه القتل ، فان شاؤوا عفوا عنه ، في نظير مال أو غيره ، وإن شاؤوا اقتصوا منه بالقتل بدون تمثيل أو تعذيب . . وفي ص 271 : اتفق الأئمة على أنه إذا اصطلح القاتل وأولياء القتيل على مال سقط القصاص ، ووجب المال ، قليلا كان أو كثيرا ، زائدا على مقدار الدية ، لقوله تعالى : « فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ » على ما قيل : ان الآية نزلت في الصلح وهو قول ابن عباس والحسن والضحاك ومجاهد وهو موافق للأم فان لفظ ( عفا ) إذا استعمل باللام كان معناه البدل ، أي فمن أعطى من جهة أخيه في الدين المقتول شيئا من المال بطريق الصلح ، عن مجاملة وحسن معاملة ، ولأن القصاص حق ثابت للورثة يجري فيه الاسقاط عفوا ، فكذا تعويضا ، لاشتماله على إحسان الأولياء واحياء القاتل ، فيجوز بالتراضي والقليل والكثير فيه سواء ، لأنه ليس فيه نص مقدر فيفوض إلى اصطلاحهما كالخلع وغيره ، وان لم يذكروا حالا ، ولا مؤجلا فهو حال ، لأنه مال واجب بالقصد ، والأصل في أمثاله الحلول ، مثل المهر والثمن بخلاف الدية ، لأنها ما وجبت بالعقد . المالكية قالوا : يجوز صلح الجاني مع ولي الدم في القتل العمد ومع المجني عليه في الجرح العمد بأقل من الدية أو أكثر منها ، حالا ومؤجلا ، بذهب أو فضة أو عرض . ثمَّ يذكر المؤلف مسألة عفو أحد الشركاء في الدم واختلاف المذاهب فيها فراجع . وفي المهذب 2 / 188 ( باب العفو عن القصاص ) : ومن وجب عليه القصاص وهو جائز التصرف فله أن يقتص وله أن يعفو على المال ، لما روى أبو شريح الكعبي . . فإن عفا مطلقا بنينا على ما يجب بقتل العمد وفيه قولان : أحدهما : ان موجب قتل العمد القصاص وحده ولا تجب الدية إلا بالاختيار . . والقول الثاني : ان موجبه أحد الأمرين من القصاص أو الدية . . فإن قلنا إن الواجب هو القصاص وحده فعفا عن القصاص مطلقا سقط القصاص ولم تجب الدية . . وان قلنا أنه يجب أحد الأمرين فعفا عن القصاص وجبت الدية لأن الواجب أحدهما ، فإذا ترك أحدهما وجب الآخر ، وان اختار الدية سقط القصاص وثبت المال ولن يكون له أن يرجع إلى القصاص ، وان قال اخترت القصاص فهل له أن يرجع إلى الدية ؟ فيه وجهان : أحدهما : أنه يرجع لأن القصاص أعلى فجاز أن ينتقل إلى الأدنى ، والثاني : ليس له أن يرجع إلى الدية لأنه تركها فلم يرجع إليها كالقصاص . . وفي المغني 9 / 463 : مسألة : قال : ( ومن عفا من ورثة المقتول عن القصاص لم يكن إلى القصاص سبيل ، وان كان العافي زوجا أو زوجة ) أجمع أهل العلم على إجازة العفو عن القصاص وأنه أفضل ، والأصل فيه الكتاب والسنة . . إذا ثبت هذا فالقصاص حق لجميع الورثة من ذوي الأنساب والأسباب والرجال ، والنساء والصغار والكبار ، فمن عفا منهم صحّ عفوه وسقط القصاص ولم يبق لأحد إليه سبيل . هذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والنخعي والحكم وحماد والثوري وأبو حنيفة والشافعي ، وروى معنى ذلك عن عمرو طاوس والشعبي . وقال الحسن وقتادة والزهري وابن شبرمة والليث والأوزاعي : ليس للنساء عفو ، والمشهور عن مالك انه موروث للعصبات خاصة ، وهو وجه لأصحاب الشافعي ، لأنه ثبت لدفع العار فاختص به العصبات كولاية النكاح . ولهم وجه ثالث أنه لذوي الأنساب دون الزوجين لقول النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : ( من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين ، بين أن يقتلوا أو يأخذوا العقل ) وأهله ذوو رحمه . وذهب بعض أهل المدينة إلى أن القصاص لا يسقط بعفو بعض الشركاء وقيل هو رواية عن مالك لأن حق غير العافي لا يرضى بإسقاطه ، وقد تؤخذ النفس ببعض النفس بدليل قتل الجماعة بالواحد ، ولنا عموم قوله عليه السلام : ( فأهله بين خيرتين ) وهذا عام في جميع أهله والمرأة من أهله - ثمَّ يذكر المؤلف شواهد على ذلك فراجع . وفي ص 474 يقول : واختلفت الرواية في موجب العمد فروي عن أحمد أن موجبه القصاص عينا لقوله عليه السلام : ( من قتل عمدا فهو قود ) ولما ذكروه في دليلهم ، وروى أن موجبه أحد شيئين القصاص أو الدية لما ذكرنا قبل هذا ، ولأن الدية أحد بدلي النفس فكانت بدلا عنها ، لا عن بدلها كالقصاص . وأما الخبر فالمراد به وجوب القود ونحن نقول به ، ويخالف القتل سائر المتلفات ، لأن بدلها لا يختلف بالقصد وعدمه والقتل بخلافه ، وللشافعي قولان كالروايتين فإذا قلنا موجبه القصاص عينا ، فله العفو إلى الدية والعفو مطلقا ، فإذا عفا مطلقا لم يجب شيء وهذا ظاهر مذهب الشافعي ، وقال بعضهم تجب الدية لئلا يطل الدم ، وليس بشيء لأنه لو عفا عن الدية بعد وجوبها صح عفوه ، وان عفا من القصاص بغير مال لم يجب شيء ، فأما ان عفا عن الدية لم يصح عفوه ، لأنها لم تجب ، وان قلنا الواجب أحد شيئين لا بعينه فعفا عن القصاص مطلقا أو إلى الدية وجبت الدية ، لأن الواجب غير معين ، فإذا ترك أحدهما وجب الآخر ، وان اختار الدية سقط القصاص ، وان اختار القصاص تعيّن . . وإذا أردت روايات أبناء العامة في هذه المسائل فراجع سنن البيهقي ( السنن الكبرى ) 8 / 51 ( باب الخيار في القصاص ) و ( باب من قال موجب العمد القود وانما تجب الدية بالعفو عنه عليها ) و ( باب من قتل بعد أخذه الدية ) و ( باب ما جاء في الترغيب في العفو عن القصاص ) و ( باب لا عقوبة على كل من كان عليه قصاص فعفي عنه في دم ولا جرح ) و ( باب ما جاء في قتل الغيلة في عفو الأولياء ) و ( باب ميراث الدم والعقل ) و ( باب من زعم أن للكبار أن يقتصوا قبل بلوغ الصغار ) و ( باب عفو بعض الأولياء عن القصاص دون بعض ) وأبواب أخرى .